extended_valid_elements : "iframe[src|title|width|height|allowfullscreen|frameborder]"

الكاتب
دعاء بيطار
تاريخ الإصدار
2019
المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه

ثلاثة أرباع راحة البال في ترك القيل والقال، بل هي الراحة بكل تفاصيلها الدقيقة, وهي النعمة التي تستوجب الشكر, فمعنى أن يجعلك الله بعيدا عن الهذر واضاعة الوقت فيما لا يفيد, هو أنه يريدك أن تركز في دائرة الأهم, فأهل اللغو موصومون بالغفلة والبعد عن ذكر الله منذ الأزل, ولن ينقص أو يزيد في عبيد الله الذين يحبهم ويحبونه أحد إذا كنت مع الغافلين أو لا, ولكنه فضله ومنته سبحانه التي يعطيها من يشاء من عباده, بأن يختار المتحابون في الله بعضهم لترتقي علاقاتهم وترتفع عن القاع, حيث الأفق الجديد والنور المبين في مزاحمة أهل العلم والفضل والإيمان.

فعند البعد عن أهل الغفلة ستدرك بعد مدة أن مساحة في ذهنك وقلبك أصبحت خالية لتضع فيها ما تختاره من أفكار, ومن تختاره من أصدقاء, فليس كل البعد عن الناس مستحب وإنما بعضه, فالأمر يشبه فترة أخذ النفس والتفكير الطويل والعميق وإعادة الحسابات في كل شيء, كالطير الذي يتوقف قليلا لالتقاط أنفاسه ثم يعود ليختار سربا جديدا يشبهه في الشكل واللون, فالأرواح جنود مجندة, ومعنى حسن اختيارك للصحبة هي أنك استعجلت شيئا من نعيم الجنة, فالأخلاء المتقون لا يتغيرون مهما تغير من حولهم, بل حتى لو تغير قانون الكون وقامت القيامة يظلون متحابين, لأن الرابط بينهم ما كان كره أحد من الخلق ولا الحديث عن الناس, ولا كان الاجتماع بينهم لأجل منفعة أو مصلحة دنيوية وكلما زاد الحب في الله والتناصح فيه ارتفعت العلاقة من الأرض, بل اكتنفها قبس من نور الله وبركته فيصبح لالتقاء الأرواح واجتماعها نوع فريد ونادر من المحبة والألفة غير معهودة لدى الجميع،

ولا يدرك حلاوة الأمر إلا من عاش التجربة بدقائقها الممزوجة بالروعة والدفء, فالأمر يستحق عناء البحث لأن امتداد العلاقة إلى ما بعد انتهاء الحياة يعطي للموت معنى آخر غير متوفر لدى جميع الأموات فلا ينقطع هذا النوع من العلاقات أبدا ولا تتدخل قوانين الأرض به, بل تبقى الهدايا بين المتحابين والدعاء جسرا متينا يعبر من خلاله المحب إلى حبيبه بكل يسر, ويرى أثر ذلك في روحه وإن طال به العمر.

هذه هي ميزات المتحابين في جلال الله التي لا تنتهي أنوارها وبركتها ،فهم الذين يحبون بصدق ويريدون النجاة لهم ولمن أحبوهم في الآخرة, ليكونوا في النعيم المقيم أبدا بلا فراق على سرر متقابلين في جوار خليل الله صلى الله عليه وسلم, لتكون البداية والنهاية على منابر من نور, استحقوا بها غبطة الجميع بمن فيهم الأنبياء والصديقون, فأي سعادة تلك التي تكون في الحب في الله, وأي نعيم ينتظر هؤلاء الذين بنوا سدا منيعا ضد الفتن وتقلبات الحياة وأمواجها, لأنهم أدركوا أن يد الله مع الجماعة, وأن المرء قليل بنفسه كثير مع من أحبه في الله ولو كان شخصا واحدا فليست العبرة بالكثرة, وكلما تمسك الإنسان بسربه ووثق رابطته مع من أحب وجعل فيها من التواصي بالحق والصبر, فقد أفلح وفاز بل أفلحوا وفازوا جميعا.

    

 

الكلمات الدلالية

منشورات سابقة